ابن كثير
25
البداية والنهاية
فقال ابن النبيه : ما الأمة الوكساء بين الورى * أحسن من حر أتى ملامه فمه إذا استجديت عن قول لا * فالحر لا يملا منها فمه الأمير عز الدين جرديك ( 1 ) كان من أكابر الامراء في أيام نور الدين ، وكان ممن شرك في قتل شاور ، وحظي عند صلاح الدين ، وقد استنابه على القدس حين افتتحها ، وكان يستند به للمهمات الكبار فيسدها بنفسه وشجاعته ، ولما ولي الأفضل عزله عن القدس فترك بلاد الشام وانتقل إلى الموصل ، فمات بها في هذه السنة . ثم دخلت سنة خمس وتسعين وخمسمائة فيها كانت وفاة العزيز صاحب مصر وذلك أنه خرج إلى الصيد فكانت ليلة الأحد العشرين ( 2 ) من المحرم ، ساق خلف ذئب فكبا به فرسه فسقط عنه فمات بعد أيام ، ودفن بداره ، ثم حول إلى عند تربة الشافعي ، وله سبع أو ثمان وعشرون سنة ، ويقال : إنه كان قد عزم في هذه السنة على إخراج الحنابلة من بلده ، ويكتب إلى بقية إخوته بإخراجهم من البلاد ، وشاع ذلك عنه وذاع ، وسمع ذلك منه وصرح به ، وكل ذلك من معلميه وخلطائه وعشرائه من الجهمية ، وقلة علمه بالحديث ، فلما وقع منه هذا ونوى هذه النية القبيحة الفاسدة أهلكه الله ودمره سريعا ، وعظم قدر الحنابلة بين الخلق بمصر والشام ، عند الخاص والعام . وقيل : إن بعض صالحيهم دعا عليه ، فما هو إلا أن خرج إلى الصيد فكان هلاكه سريعا ، وكتب الفاضل كتاب التعزية بالعزيز لعمه العادل ، وهو محاصر ماردين ومعه العساكر ، وولده محمد الكامل ، وهو نائبه على بلاد الجزيرة المقاربة لبلاد الحيرة ، وصورة الكتاب " أدام الله سلطان مولانا الملك العادل ، وبارك في عمره وأعلا أمره بأمره ، وأعز نصر الاسلام بنصره ، وفدت الأنفس نفسه الكريمة وأصغر الله العظائم بنعمه فيه العظيمة ، وأحياه الله حياة طيبة هو والاسلام في مواقيت الفتوح الجسيمة وينقلب عنها بالأمور المسلمة والعواقب السليمة ، ولا نقص له رجالا ولا أعدمه نفسا ولا ولدا ، ولا قصر له ذيلا ولا يدا ، ولا أسخن له عينا ولا كبدا ، ولا كدر له خاطرا ولا موردا ، ولما قدر الله ما قدر من موت الملك العزيز كانت حياته مكدرة عليه منغصة مهملة ، فلما حضر أجله كانت بديهة المصاب عظيمة ، وطالعة
--> ( 1 ) في نسخ البداية المطبوعة : حرديل وهو تحريف ، وفي ابن الأثير : جورديك . ( 2 ) في تاريخ ابن خلدون 5 / 335 : آخر المحرم . وفي بدائع الزهور لابن إياس 1 / 1 / 252 : يوم الخميس حادي عشرين محرم .